بعد ما يقارب العامين على سقوط النظام البائد، وتسلم الحكومة الانتقالية مسؤولية إدارة البلاد، ومع رفع العقوبات الدولية عن سورية، كان من الطبيعي أن يأمل السوريون ببدء مرحلة جديدة تُترجم تضحياتهم إلى تحسن ملموس في حياتهم اليومية، وإلى اقتصاد أكثر عدالة، ودولة أكثر كفاءة.
إلا أن الواقع ما زال مختلفاً؛ فالسوريون يرزحون تحت وطأة الفقر وغلاء المعيشة، وتتسع الفجوة بين الأجور والأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، ويزداد يوماً بعد يوم تآكل الطبقة الوسطى التي تشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي.
ورغم تفهمنا للإرث الثقيل الذي خلفه النظام السابق، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية، لكن ذلك لا يعفي السلطة التنفيذية من مسؤوليتها في اختيار السياسات المناسبة وإدارة المرحلة بكفاءة. وبعد ما يقارب العامين على سقوط النظام، أثبتت السلطة فشلها في تحسين الأوضاع المعيشية للسوريين على الصعد كافة، حيث تتصاعد الصراعات الاجتماعية والهوياتية التي تنذر بإنتاج دورات جديدة من التوتر والانهيار لا تستطيع سورية تحمل تداعياتها بعد كل ما قدمه شعبها من تضحيات.
إن الانتقال السريع إلى اقتصاد مفتوح دون مراعاة لقدرة المواطنين زاد من الضغوط على الشرائح المنتجة وأصحاب الدخل المحدود، بينما استفادت فئات جديدة من الفوضى الإدارية وضعف الرقابة. وبناء سورية الجديد لا يمكن أن يتم بعقلية تجارب الحكومات التي مثلت المعارضة السابقة خلال سنوات الثورة، أو عبر حلول ترقيعية، ولا على أساس الولاء والمحاصصة؛ لأن ذلك يؤدي إلى ظهور طبقة أوليغارشية بدأت تتبلور لتأخذ مكان الطبقة الأوليغارشية التي كانت تحيط بنظام الأسد البائد.
إن حرصنا على استقرار البلاد وحمايتها يدفعنا للتحذير من أن استمرار هذا المسار يقود إلى احتقان واضطرابات خطيرة، ونرى أن تحسين الوضع الاقتصادي لا يمكن فصله عن بناء مؤسسات الدولة واستقلالها، ولا سيما المؤسسة القضائية.
وبناءً عليه، نطالب بـ:
تشكيل حكومة كفاءات وطنية تضم أصحاب الخبرة والاختصاص بناءً على الكفاءة والنزاهة بعيداً عن المحسوبية والمحاصصة، والانتقال إلى عقلية الدولة بعيداً عن عقلية الفصائل، والتي ينبغي العمل الحثيث لاستكمال سحب أسلحتها حتى لا تشكل مراكز قوى جديدة على غرار ما كان سائداً في زمن النظام البائد.
وضع سياسة اقتصادية واجتماعية ملزمة تضع تحسين مستوى معيشة المواطنين، ودعم المواد الأساسية كأولوية، والتوقف عن ارتجال القرارات العشوائية في عتمة الليل كما كان معمولاً به في زمن النظام البائد، كقرار رفع أسعار المحروقات مؤخراً.
حماية الطبقة الوسطى والعدالة الأجرية من خلال إعادة هيكلة الأجور والضرائب لتقليص الفجوة الطبقية وحماية أصحاب الدخل المحدود من التضخم.
دعم المشاريع الصغرى والقطاع التعاوني من خلال تقديم تسهيلات ائتمانية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الجمعيات التعاونية الإنتاجية والتسويقية لحماية صغار المزارعين والحرفيين.
استعادة الأموال المنهوبة ومحاربة اقتصاد الفساد من خلال مصادرة الأموال غير المشروعة وإعادتها إلى الخزينة العامة وفق الشفافية والقانون، والتوقف الفوري عن التلاعب باحتياجات السوريين عبر ماكينة إعلامية كل همها بيع الأوهام لهم إلرضاء الحكومة الانتقالية.
دعم الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي من خلال التوجه نحو اقتصاد إنتاجي قائم على الاستثمار في الزراعة والصناعة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك.
وقف الهدر والمظاهر الاستعراضية من خلال إلغاء النفقات الحكومية غير الضرورية من مواكب واحتفالات، وتوجيه الميزانيات لإعادة إعمار البيوت المهدومة والخدمات الأساسية.
تفعيل الحريات السياسية والنقابية، وضمان حق السوريين في تشكيل الأحزاب والتجمعات السياسية والنقابات، والتزام الدولة بتأمين الحماية للمتظاهرين السلميين، مقابل احترام المتظاهرين للأملاك الخاصة والعامة عند ممارسة حقهم في التظاهر، وإجراء انتخابات نقابية حرة ومستقلة لتكون النقابات شريكاً في الرقابة الشعبية ورسم السياسات.
إشراك الكفاءات السورية في الداخل والخارج من خلال فتح المجال أمام الخبرات الوطنية للمساهمة في بناء مؤسسات الدولة وتطويرها.
إن الثورة السورية لم تكن لتغيير الأشخاص فقط، بل لبناء دولة المواطنة والعدالة والكرامة وسيادة القانون. وإن إنقاذ الاقتصاد شرط أساسي لاستقرار الدولة، وما زال تصحيح المسار ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية.
دمشق 17 / أيلول / 2026
القوى والأحزاب الموقعة على البيان (بحسب الترتيب الأبجدي):
1- التحالف السوري الديمقراطي
2- حركة أبناء سوريا
3- حزب أحرار الليبرالي
4- حزب بناء سورية الديمقراطي
5- حزب اليسار الديمقراطي السوري