في الذكرى السنوية الأولى للمأساة الدامية التي شهدتها محافظة السويداء، يقف حزب أحرار – الحزب الليبرالي السوري بإجلال أمام أرواح جميع الضحايا الأبرياء من المدنيين الذين سقطوا من مختلف المكونات، ويتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى عائلاتهم، ومؤكداً أن آلام السوريين جميعاً هي ألم واحد، وأن دماء الأبرياء لا يجوز أن تكون وقوداً لصراعات سياسية أو طائفية أو إقليمية.
لقد شكلت المجازر التي شهدتها محافظة السويداء جرحاً وطنياً عميقاً، ومهما اختلفت الروايات حول أسباب اندلاعها أو الأطراف التي ساهمت في إشعالها، فإن المسؤولية السياسية والقانونية الأولى تقع على عاتق الحكومة السورية، بوصفها الجهة المنوط بها دستورياً وقانونياً حماية المواطنين وصون الأمن العام. وتشمل هذه المسؤولية ما إذا كان ذلك ناجماً عن قرارات أو ممارسات ساهمت في تفجير الأزمة، أو عن الإخفاق في احتواء الاشتباكات التي اندلعت بين أبناء العشائر البدوية وأبناء الطائفة الدرزية، أو عن الفشل في إدارة تداعياتها، وضمان المساءلة، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلالها، أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها.
وإذ نلاحظ أن الحكومة كانت قد أعلنت عن تشكيل لجنة تحقيق، فإننا نعرب عن أسفنا لأن نتائج هذا المسار لم ترق حتى اليوم إلى مستوى تطلعات الضحايا والرأي العام، ولم تؤدِّ إلى تحقيق العدالة أو كشف الحقيقة بصورة شفافة، أو إلى اتخاذ إجراءات واضحة تضمن عدم الإفلات من العقاب.
كما نعبر عن بالغ القلق من تصاعد الخطابات الأيديولوجية والطائفية المتطرفة التي رافقت تلك الأحداث، والتي نجحت في إسكات أصوات الحكمة والعقل والاعتدال، وأحلت مكانها خطاباً قائماً على الكراهية، والانتقام، والتحريض، والتمييز، ونزع الإنسانية عن الآخر. إن مثل هذه الخطابات، أياً كان مصدرها، لا تمثل الغالبية العظمى من السوريين، ولا يمكن أن تؤسس لمستقبل آمن أو لوطن يتسع لجميع أبنائه.
والأسوأ من ذلك أن قوى خارجية سعت إلى استثمار هذه الجراح لتعميق الانقسام السوري وخدمة أجنداتها الخاصة. وفي هذا السياق، يؤكد حزب أحرار رفضه القاطع لمحاولات الحكومة الإسرائيلية استغلال معاناة أبناء السويداء أو تقديم نفسها بوصفها حامية لأي مكون سوري. فالحكومة الإسرائيلية، المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لا تمتلك أي شرعية أخلاقية أو سياسية لتقديم نفسها وصية على أي شريحة من الشعب السوري، بما في ذلك أبناء الطائفة الدرزية. إن حماية السوريين يجب أن تكون مسؤولية الدولة السورية، وبدعم من المجتمع الدولي عبر مؤسساته الشرعية، وليس عبر مشاريع إقليمية تزيد الانقسام وتعقّد فرص الحل الوطني.
ولذلك فإننا في حزب أحرار نؤكد أن الحفاظ على استقلال القرار الوطني السوري، ورفض الارتهان لأي تدخل خارجي، هو مسؤولية وطنية مشتركة تقع على عاتق جميع القوى السياسية والاجتماعية، بما يحفظ وحدة سوريا وسيادتها ومستقبلها.
ومع مرور عام كامل على المأساة، ما تزال آثارها الإنسانية والاجتماعية والسياسية دون معالجة حقيقية. ومن أكثر الجوانب إيلاماً في استمرار الأزمة، حرمان آلاف الطلبة في السويداء، للعام الثاني على التوالي، من حقهم الطبيعي في التعليم والتقدم للامتحانات الوطنية والشهادات العامة. إن هذا الحق الأساسي لا يجوز أن يكون رهينة للخلافات السياسية أو الأمنية. ومن هنا، فإننا نحمل جميع الأطراف المعنية مسؤولية الإخفاق في تحييد قطاع التعليم عن النزاع، وندعوها إلى اتخاذ خطوات عاجلة تضمن عدم ضياع مستقبل جيل كامل من الشباب السوري.
وفي هذا الإطار، يدعو حزب أحرار الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في معالجة الأزمة، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية، كما يدعو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى العمل، بالتنسيق مع الجهات السورية المعنية، على وضع آلية عاجلة تضمن تمكين طلبة السويداء من تقديم امتحاناتهم الوطنية بصورة آمنة وعادلة، وصون حقهم في التعليم دون تمييز أو تأخير.
كما ندعو الأمين العام للأمم المتحدة إلى تكثيف مساعيه الحميدة لإطلاق مسار سلمي تدريجي يفضي إلى استعادة الاستقرار في محافظة السويداء، ويشجع الحوار الوطني، ويهيئ الظروف اللازمة لمعالجة أسباب الأزمة بصورة مستدامة، بعيداً عن منطق الغلبة أو التصعيد.
ويوجه حزب أحرار نداءً صادقاً إلى جميع أصوات الحكمة والعقل والاعتدال، سواء في السويداء أو في مؤسسات الدولة السورية، بأن يتقدموا الصفوف في هذه المرحلة الدقيقة. لقد دفع السوريون جميعاً ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، ولا يجوز أن تبقى المآسي سبباً لإنتاج مآسٍ جديدة. إن مسؤوليتنا الوطنية اليوم هي أن نغلق أبواب الانتقام، ونفتح أبواب العدالة، والمصالحة، وإعادة بناء الثقة بين السوريين.
يؤكد الحزب أن تحقيق السلام الحقيقي يبدأ بإنهاء الإفلات من العقاب، عبر محاسبة جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، من أي جهة كانوا، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة، والإنصاف، والتعويض، وجبر الضرر، وفق مبادئ العدالة وسيادة القانون.
كما ندعو القوى السياسية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني السورية، والمنظمات الأهلية، والقيادات المجتمعية من مختلف المناطق والمكونات، إلى إطلاق مبادرات مشتركة للحوار، وبناء الجسور، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإعادة الثقة بين المواطنين. فالمقاطعة، والعزلة، وقطع التواصل، لا تشكل حلولاً دائمة للمآسي الوطنية، بينما يبقى الحوار والعمل المشترك الطريق الوحيد لبناء سلام مستدام.
الرحمة والسلام لأرواح جميع الضحايا الأبرياء من المدنيين، أياً كانت انتماءاتهم.
والعدالة لجميع الضحايا.
ولتبقَ سوريا وطناً لجميع أبنائها، يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحرية، والكرامة الإنسانية.